محمد العشري
"نَامَ العالمُ فوق كفّي لحظة/ وأفَاقَ"، من تلك الإفاقة المفاجئة تبني الشاعرة السعودية صباح أبو عزة قصائد ونصوص مجموعتها الشعرية الأولى "امرأة تهوَى وحيدة"، الصادرة حديثاً بالقاهرة، لدى دار "آفاق" للنشر. وهي محاولة جادة لرصد انفعالات امرأة تحيا بالحب، وتسعى للقبض على حدود ذاتها، تخطي حصار مجتمعها المغلق، والانطلاق في مدارات بعيدة، تمكّنها من اكتشاف تفاصيل علاقتها المتواترة بالآخر: "صوت الصمت أتعبني/ وصدر السماء بارد ككفي./ وجبين السماء يدعوني/ لآتي إليك".
ويستطيع القارىء أن يلمس مدى تشظي تلك الذات الشاعرة، وعذاباتها، وغربتها في المدن التي تمر بها، وتترك إثر وحشتها في روحها، تاركة تلك الذات تبتلع الصمت والحسرة، لتعود غريبة عن نفسها، بلا روح تسكنها، أو وطن تسكنه.
صباح أبو عزة في تجربتها الشعرية تلك، تتلبسها روح متأججة بشغف اكتشاف الذات، لمس رؤية الآخر لها عن قُرب، متسلحة بثقة داخلية، تجعلها لا تأبه كثيراً لانكسار الروح، وهي تتواصل، وتتلاحم، وتذوب في الآخر إلى أن يغمرها، ويمنحها قطرات من قطرات العشق، حتى لو كانت تتدثر بوهم الحب، ويقودها قلبها إلى منفاها الاختياري، إلا أنها لا تتراجع، أو تتوقف رغبتها في تحقيق ذاتها العاشقة، وترك العنان لحريتها، كي تعي ما تطمح إليه، ما تأمل أن تلمسه بشعريتها الطازجة، والتي تحررها من عقدها، وما ترسب في ذاتها دون وعي منها، وصار حداً مانعاً للحصول على لذّتها ونشوتها القصوى.
تلك شذرات تلمع بشدة في عمق تجربتها الحياتية، والتي تتطلع الذات الشاعرة إلى رصدها بكل ما تملك من أحاسيس ورهافة، يدفعها شيء ما بقوة إلى لمس أطراف حدودها الهشة، وترطيب ما جف منها من خلال القصائد والنصوص الحية، المشحونة بزحم انفعالاتها وهدوئها، جنونها وتَعقّلها: "أحتاج لأن أكتبك/ وأحتاج أكثر لأن تقرأني". ولأن تلك القصائد تحمل الكثير من المضامين الداخلية، التي لا تُصرح بها الشاعرة، وتكتفي بأن ترسم بها خارطة عشقها: "يتبدد عمري في ضمة/ أشهق بكاء/ وتشهق حياة".
ويمكن للقارىء أن يرى بوضوح مدى تأزمها النفسي، وهي تنطلق بوهج خيالي، وتصطدم ببرود أكبر، وفي لحظات سكونها فإنها تستعيد براءتها، ولحظاتها الدافئة، المتمثلة في حضن الأب، والانزواء بين ذراعيه كلما رغبت في حنان يهدئ من روعها، ووجه الحبيب الذي يملأ خلاياها، ويدفعها إلى المزيد من الأحلام الهادئة، لتنير عتمتها بالنور، دون أن تتخلى عن كبريائها، لأنها تعي جيداً مكانتها، وقدرتها على العطاء غير المحدود: "ستذكُرني/ كلما سقطت قطرة ندى فوق/ شفتيك".
تشتعل درجة الولع والشغف وتصبح القصائد أكثر حدة في التعبير عن حالها الداخلي، ومأزقها في العلاقة المضطربة، حين يغيب الحبيب، والقارىء يمكنه أن يفهم ذلك من خلال دافع الشاعرة، واهتمامها بتكثيف الجزء الأخير من المجموعة بالنصوص الحرة، أكثر من القصائد، ففي النصوص تعلو درجة البوح، وتصبح هناك مساحة أوسع من الحرية، للتسلل إلى الداخل، دون أن تكون الشاعرة معنية بضبط القصيدة، وكان لذلك أثره السلبي على المجموعة لأنه قلل من وهج التجربة، وزخم الشعرية المتأجج في القصائد، مما يعكس احتياج تلك الذات إلى أن تتريض في فضائها الرحب كيفما تريد، بلا عائق يمنعها من ممارسة حريتها، ونزقها، ورغبتها في إفشاء خطوطها العريضة، وما يتخللها من تفاصيل دقيقة، تحدد ملامح هامة في علاقتها بالحبيب.
ولأن تلك الذات مشكلتها تكمن مع الغياب، وفعله الدامغ في كيانها، نجدها قد بدأت في تلمس حقيقة ما تعيشه، ومحاولة إيجاد الفارق بينه وبين الحضور، ورؤيتهما من أوجه عديدة، وأصبحت المرايا عاكسة لذاتها، وكاشفة لمسعاها في كل الطرق، التي تسلكها بوعيها، وإرادتها الكاملة. رأت في الغياب موتا، وفي الحضور حياة، وبينهما سكون لا يليق بالعشاق: "لك أن تتخيل/ ليلة باردة/ وباب موصد/ وامرأة تهوَى وحيدة"، تلك المرأة تنطلق في فضاء النصوص، تطلق جناحيها للريح، دون أن تعرف وجهتها، تغرد وحدها، تلهو بالوقت،وتترنح مذبوحة بكلمة عشقٍ، تفجر فيها طاقات الفقد، واللوعة، وهي مختلطة الأحاسيس، ومرتبكة المشاعر، مثل ريشة في مهب الهوى والعشق: "عطرُ أكواني، وروحي، راحتي، كلُّ ما في الكون بعد الله أنتَ".