{..حنين جــارف لما وراء الحيــاة..}
وجدوا جثة منسية في عتمة طريق، قرروا أخذها إلى مدينة الوحشة والظلام والصمت الرهيب.
حملوا الجثة على أكتافهم، قال أحدهم:
إنه لذو حظ عظيم، مات وريّح نفسه من الدنيا وما فيها .!
أيّده بقية رفاقه الثلاثة، مشوا وخطواتهم ثقيلة بهمومهم، وجوههم كالجماجم مشغولة بآلامهم، أجسادهم الموجوعة لا تستر بقايا رصاصات خرقت أفئدتهم هي هدايا القدر لهم وتقلب وجه الزمن.!
وقع صوت صمّ آذانهم، جفّ شفاههم، خيّم عليهم الذهول فوقفوا جاثمين.!
"الحيـــاة عالم مليء بأحيـــاء يعيشون مع أموات، أحيـــاء يقنطون مع أحيـــــاء، أحيـــاء أماتوا أنفسهم فهم في عداد الموتى رغم سريان الحياة فيهم، لكن عالمي الذي تحسدونني عليه هو عالم مخيف، كئيب، عالم ترى فيه الأشلاء مبعثرة بلا كرامة، تــرى الشيـــوخ في مجون، والتبــرج في الكهول، ترى الضيـــاع في الشبــاب والتمرد في الأطفـــال.!
نفضت يديّ من ذلك العالم، فتهت في زوايا الزمن، اكفهر كل ركن في جسدي واضطربت أحشائي وأضرم حريق في جوفي أذاقني ألوان العذاب.!
والجمرات في داخلي لم تمت فهي في حالة احتضار دائمة، كالجحيم المستعر يقضي على كل شيء.!
غضبت الأرض وصرخت في وجهي أخرجتني من بطنها فما عاد لي من سكن.!
خنين ملأ الأجواء، سكت هذا الصوت الغامض المليء لوعة ومرارة.
مزّق الصمت ذهولهم، رعشة أصابت أجسادهم، أحدثت زوبعة عظيمة في نفوسهم، تركوا الجثة المنسية في عتمة الطريق واختفوا.!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
كتبهاالحنين ، في 4 مارس 2010 الساعة: 01:38 ص .